القاهرة
الزمر : الثورة لن تستكمل إلا بتوافق شركائها     بين الإطار العملي والإطار الانتمائي     الإفراج عن عبدالمقصود محامي جماعة الإخوان     مقتل نقيب "أمن دولة " مسئول عن تعذيب الطلاب     مقتل10 مواطنين أمام بوابة كلية ضباط الصف     هل يعطل الوهن العربى إعمار غزة؟

مخاضات التغيير ، تجارب في الثورة بكتيب “رومانيا.. ثورة أم انقلاب؟”

 أعلنت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن أحدث إصدارتها، وهو كتيب بعنوان “رومانيا.. ثورة أم انقلاب”، ويتضمن بحثأ تحليلياً مختصراً لأحداث الثورة الرومانية 1989 والدروس المستفادة منها، وأهم الأسئلة العالقة بها. ويقع الكتاب في 65 صفحة من القطع الصغير، وهو بقلم الباحث والناشط السياسي  تامر موافي.

 
 
رومانيا .. 
ثورة أم انقلاب !
 
      الكتاب : رومانيا : ثورة أم انقلاب
الناشر : الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 
10 ش علوي ، شقة 5 خلف البنك المركزي ،  وسط المدينة  ، القاهرة
ت / فاكس  :  23964058  - 23964180  
الموقع : www.anhri.net
البريد  الإلكتروني : info@anhri.net
الإعداد : تامر موافي
مراجعة وتقديم : جمال عيد
الغلاف والإعداد الفني :  عماد عوف
الطبعة الأولى : يونيو 2012
رقم الإيداع : 
طباعة :
جميع حقوق © محفوظة للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
 
 
قبل أن تقرأ
 
لقد شاهدت هذا الفيلم من قبل !
هذا ما ترغب في قوله حين تقرأ عن الثورة الرومانية ، بالطبع هو ليس فيلم ، ولم نكن ضمن أطراف الثورة الرومانية ، إلا أننا اذا حذفنا اسم شاوشيسكو ووضعنا بدلا منه اسم مبارك ، ودون تغييرات أخرى ، فلن نجد اختلافات تذكر بين الحالتين .
قد تختلف النهاية أو النتيجة ، لكن تشابه الأحداث الذي قد يصل لحد التطابق في بعض التفاصيل ، يجعلنا نعيد قراءة تاريخ هذه الثورة الرومانية ، لنتعلم ونتوقع ، ونحذر من تكرار السيناريو.
الأغلبية الصامتة ، الطرف الخفي ، الجيش معنا أو الجيش والشعب ايد واحدة !
جهاز أمن الدولة ، فلول الحزب الحاكم ، الأحداث الدامية التي تخلف قتلى وشهداء ، الشباب الغير عابئ بالحسابات والتوازنات والمستهدف للديمقراطية !! كل هذه التعبيرات والوقائع تجعلنا نشعر ان التاريخ يعيد نفسه أو يستنسخ نفس الحدث وينقله من رومانيا الى مصر.
هذا هو الجزء الأول من سلسلة من الكتيبات التي تتناول خبرات بعض الثورات والبلدان التي تتشابه في ظروفها مع مصر ، والتي تزمع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في إصدارها ، للمواطن المصري ، ليدرس ويتعرف عل  المسارات والطرق المختلفة التي قد تسلكها الثورة المصرية.
فالثورات هي طريق تسلكه الشعوب للوصول الى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، لكن دون الحفاظ عليها وممارسة الضغط الشعبي لانجاز أهدافها ، قد يكون طريقا للاستبداد ! لذلك وحتى نتفادي هذه النتائج ، علينا أن نستفيد من خبرات الشعوب المختلفة ، و نحن نبدأ في نشر هذه السلسلة كمحاولة منا في الشبكة العربية لإنارة طريق الباحثين عن الكرامة والديمقراطية ، من قدموا حياتهم وأرواحهم وجهدهم طلبا للتغير ودفاعا عن العجالة الاجتماعية.
 
الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
 
تقديم 
 
كل من يريد أن يفهم ماحدث في مصر بعد ثورة يناير لابد أن يقرأ تاريخ الثورة الرومانية التي اندلعت عام 1989, فالتشابه في مسار الثورتين كبير وهو في بعض اللحظات تشابه يصل إلى حد التطابق فالانفلات الأمني المقصود والأزمات المصطنعة في المواد الغذائية والاعتداءات الوحشية على المدنيين من الطرف الثالث المجهول ومحاولة السلطة إعادة انتاج النظام القديم في شكل جديد ......... كل هذه الممارسات التي توالت في مصر من أجل إجهاض الثورة المصرية تكاد تكون منقولة بالنص من التجربة الرومانية على أن النتائج اختلفت في مصر عن رومانيا فبينما نجح النظام القديم في رومانيا في الاستيلاء مجددا على السلطة وإجهاض الثورة فإن الثورة المصرية نجحت حتى الآن في إفشال مخطط إجهاضها ولازالت قوية وسوف تستمر حتى تتحقق أهدافها الثلاثة الشهيرة : تغيير .. حرية .. عدالة اجتماعية
 
 بقلم : علاء الأسواني
 
 
 
 
 
رومانيا .. ثورة أم انقلاب !
 
خلفية تاريخية
 
ثمة إجماع كامل على إعتبار الثورة فى رومانيا حالة خاصة فى إطار ثورات أوربا الشرقية للتخلص من النظم الستالينية فى عام 1989. و لكن بالنسبة لرومانيا فكونها حالة خاصة لم يكن جديدا و إنما هو مجرد إمتداد طبيعى لتاريخ رومانيا كحالة أوروبية خاصة. هذه الخصوصية هى العامل الأكثر أهمية فى تشكيل تجربة الشعب الرومانى، و هى مفتاح أساسى لفهم الطبيعة الخاصة لنظام شاوشيسكو و الطبيعة الخاصة للثورة التى أطاحت به، و كذلك الطبيعة الخاصة لمخاض التحولات الصعبة الذى مرت به رومانيا بعد الثورة.
 
تقع رومانيا فى الطرف الجنوبى الشرقى لأوروبا على مفرق طرق بين الشرق و الغرب و الجنوب و الشمال. هذا الموقع المتميز كان سببا عبر التاريخ الطويل لرومانيا فى كونها معبرا للغزاة فى حركتهم الدائبة بين أجزاء القارة. و هذا الموقع هو ما جعل من رومانيا أحد تلك الأجزاء القليلة شمال نهر الدانوب التى إهتمت الإمبراطورية الرومانية القديمة بضمها إليها و عندما تخلت هذه الإمبراطورية عن ممتلكاتها شمال النهر تحت وطأة الضغط المستمر من قبائل البراربرة الرحل كانت قد تركت للأبد بصمتها على رومانيا و أهدتها لغتها ذات الأصل اللاتينى.
 
هذه البداية التاريخية الأولى أسست للحالة الخاصة لرومانيا التى تعرضت فيما بعد للغزو من قبل القبائل المهاجرة المختلفة فى طريقها إلى الغرب الأوروبى الأكثر ثراءا و لكن أيا منها لم يستقر بالقدر الكافى ليصبغ رومانيا بلغته أو إثنيته. فى المقابل كان موقع رومانيا فى الشرق الأوروبى و إنقطاع سبل التواصل بينها و بين الغرب سببا رئيسيا فى أن يعتنق مواطنوها المذهب الأورثوذكسى مذهب الكنيسة الشرقية فى القسطنطينية. و هكذا تشكلت خصوصية رومانيا بوصفها جزيرة لاتينية فى شرق أوربا السلافى و بوصفها أيضا جزيرة أرثوذكسية فى أوربا اللاتينية الكاثوليكية.
 
الوضع الخاص لرومانيا فى محيطها و تعرضها المستمر للغزو من قبل جيرانها الذين مزقوا أوصالها بينهم معظم الوقت و لم يسمحوا بظهور دولة قومية موحدة لها، هو العامل الحاكم فى تطوير شخصية مستقلة للشعب الرومانى تميل إلى حس قومى قوى و ربما متشدد إضافة إلى مهارة فى اللعب على تناقضات الآخرين جعلت من الساسة الرومانيين دبلوماسيون ماهرون بطبيعتهم. و ربما كان نجاح هؤلاء الساسة فى إنتزاع إعتراف أوروبا برومانيا المستقلة فى نهاية القرن التاسع عشر نموذجا لمهارتهم حيث لعبوا على تناقض مصالح اللاعبين الكبار فى أوروبا ليخرجوا بنتيجة كان هؤلاء اللاعبون فى الواقع لا يتفقون على شيئ إلا رفضها!
 
غلبة الشعور القومى مع إحساس دائم لدى الرومانيين بإن بلادهم ضحية للمؤامرات الخارجية طيلة الوقت يجعل من السهل للتيارات ذات النزعة الفاشية أن تظهر بقوة بين الحين و الآخر و هذا تحديدا ما حدث فى أثناء الحرب العالمية الثانية ، إذ كانت رومانيا جزءا من حلف المحور تحت سيطرة ألمانيا النازية ، نظرا لطبيعة الحكم الفاشي الذي كان يسيطر عليها. خروج رومانيا من هذه الحرب على الجانب الخاسر أضاف إلى ضعف موقفها المعتاد تاريخيا و جعلها جزءا من الصفقات السرية التى تقاسم بها الحلفاء دوائر النفوذ فى شرق أوروبا بعد الحرب.
 
 و كانت رومانيا من نصيب الإتحاد السوفيتى فى صفقة عقدها جوزيف ستالين مع ونستون تشرشل فى موسكو أثناء الحرب و حصل تشرشل فى المقابل على اليونان لتكون فى إطار النفوذ الغربى.
 
هذه الصفقة ( المعروفة باسم اتفاقية يالطا)  وحدها هى المسؤولة عن تاريخ رومانيا بعد الحرب، فالحزب الشيوعى الرومانى حينها لم يكن مسجلا على قوائمه أكثر من 1000 عضو و مع ذلك إنتهى الحال برومانيا إلى أن تكون بفعل الإحتلال السوفيتى دولة شيوعية يحكمها حزب ستالينى. و بخلاف الأحزاب الستالينية الأخرى فى شرق أوروبا التى كان لها وجود ملموس و قوى فى بلدانها قبل الحرب و أثنائها كان الحزب الشيوعى فى رومانيا مرة أخرى حالة خاصة. و من جديد شكلت هذه الحصوصية طبيعة النظام الشيوعى الحاكم فى رومانيا. فقد أدرك قادته منذ البداية أن الإعتماد الكلى على قوة الحليف السوفيتى لضمان إستمرارية نظامهم يتناقض مع أحلامهم المستقلة ذات الطابع القومى. و قد ظهرت هذه التناقضات مبكرا فى السنوات الأولى بعد الحرب فقد كان واضحا أن الإتحاد السوفيتى و بقية دول المعسكر الشرقى كانوا ينظرون إلى رومانيا كمصدر للموارد الغذائية ضمن منظومة الكوميكون (منظمة التعاون الإقتصادى لدول المعسكر الشرقى) و من ثم لم يكن مسموحا لها أن تطور قدراتها الصناعية و بخاصة فى مجال الصناعات الثقيلة.
 و بالرغم من أن جورجيو ديج أول زعماء رومانيا الشيوعيين كان ستالينيا مخلصا إلا أنه كان يرغب بشدة فى بناء إقتصاد مستقل لبلاده و يرغب أيضا فى تأسيس نظامه على تأييد شعبى قوى يستعيض به عن الحاجة إلى الدعم السوفيتى.
 
هنا نجد العناصر الأساسية المختلفة التى تميز الحالة الرومانية تتضافر لترسم ملامح النظام السياسى الذى ورثه نيقولاى شاوشيسكو فيما بعد و طوره لأغراضه الذاتية. فقد إستخدم جورجيو ديج المهارات الدبلوماسبة المعروفة للرومانيين فى اللعب على التناقضات الداخلية داخل المعسكر الشرقى و تحديدا التنافس بين الصين و روسيا ليتخلص بالتدريج من السيطرة السوفيتية على السياسة الخارجية لرومانيا و نجح فى أن يقنع السوفييت بسحب قواتهم التى ظلت موجودة على أراضى رومانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية و حتى عام 1957. و عزز ديج من مقومات الإستقلال عن السيطرة السوفيتية ببدء التقارب مع الغرب و إستغلال رغبة القوى الغربية فى إختراق المعسكر الشرقى للحصول لبلاده على قروض و معونات سخية للإسهام فى بناء قدراتها الصناعية.
 
وسياسة جورجيو ديج الإستقلالية مكنته من إكتساب شعبية كبيرة لدى الرومانيين، الشعب المعتز بطبيعته بقوميته و الكاره لتدخل الأطراف الخارجية فى شؤونه. هذه الشعبية نظرا لأنها لم تقترن ببناء أساس أيديولوجى قوى للشيوعية فى رومانيا أصبحت متعلقة بالزعيم وحده و ليس بالحزب الشيوعى كقيادة عليا للبلاد. و هكذا أسس جورجيو ديج لطبيعة النظام الذى يستمد قوته من شخص الزعيم الملهم و الأب القائد.
 
سلطنة شاوشيسكو
 
فى عام 1965 أتى دور نيقولاى شاوشيسكو ليتسلم ميراث جورجيو ديج الذى توفى فى مارس من هذا العام. كان شاوشيسكو يبلغ من العمر 47 عاما عندما تولى منصب السكرتير الأول لحزب العمال الرومانى. و لكنه شغل مناصب قيادية مختلفة فى الحزب طوال الثلاثة عشر عاما السابقة لذلك. ساعده على الوصول إليها و الترقى سريعا ولاؤه الشديد لديج الذى إلتقى به لأول مرة عندما جمعهما السجن سويا أثناء الحكم الفاشى لرومانيا خلال الحرب العالمية الثانية ، والذي سقط عقبها.
 
تسلم شاوشيسكو النظام الذى بناه ديج حول زعامته الشخصية فإستكمل هذا البناء بمهارة فاقت أستاذه و وصل فى النهاية إلى أن يخلق شكلا خاصا من النظم الستالينية إحتاج دارسوه إلى أن يخترعوا له مصطلحا خاصا هو النظام السلطانى. هذا الشكل الخاص من الأنظمة الغريب على الواقع الأوروبى الحديث و إن كان يمكن تتبع نماذجه فى العالم الثالث بصفة عامة، يعتمد على شخصنة السلطة و تركيزها بشكل مطلق فى يد شخص واحد و من خلاله يخلق حكم العائلة أو الأسرة المالكة. و هو لا يعتمد بأى شكل من الأشكال على أى أساس منطقى أو أى أيديولوجية سياسية. فى حالة رومانيا كان النظام الفردى من ضيق الأفق إلى حد أنه لم يسمح بوجود أى أثر لمجتمع مدنى أو أى فعاليات معارضة تتخطى التذمر السرى يتبادله أفراد دون أى مشروع لبناء حركة معارضة واسعة. بمعنى أوضح أقصى ما يمكن تصوره من أشكال المعارضة الحقيقية التى أتيح لها الوجود هو مؤامرات القصر يسر بها أفراد الحاشية لبعضهم البعض. و هو ما كان له أثره البالغ فى طبيعة الثورة الرومانية كما سنرى فيما بعد.
 
طبيعة الحكم الفردى القاصر على الزعيم و دائرة ضيقة من أفراد عائلته و المقربين إليه أدت بالضرورة إلى أن تكون أهواء و نزوات الزعيم و زوجته هى ما يوجه السياسة الخارجية و الداخلية لرومانيا. و يمكن سرد عشرات الأمثلة لسياسات بعضها هزلى إلى حد الجنون كحظر وسائل منع الحمل و فرض رقابة و كشف طبى دورى على الموظفات و العاملات للتأكد من أكتشاف حمل أيهن مبكرا لضمان ألا تلجأ للإجهاض لأى سبب!.
 
بعض سياسات شاوشيسكو كان لها فى التطبيق جوانب عنصرية مثل رغبته فى تحديث الريف الرومانى قسرا بهدم القرى التقليدية و ترحيل سكانها إلى مدن أكبر و هى سياسة إستهدفت فى الجزء الذى نفذ منها القرى التى يقطنها الأقلية المجرية فى رومانيا. بعض من مشروعات شاوشيسكو الجنونية إستلهمها من إعجابه بتجارب الصين فى أثناء الثورة الثقافية و بكرويا الشمالية و دفعته الرغبة فى تغيير وجه عاصمة بلاده لتصبح نسخة جديدة من بيونج يانج بشوارعها المستقيمة الواسعة و مبانيها الضخمة إلى إنفاق الملايين على محاولة إعادة بناء أحياء بأكملها من المدينة.
 
مشروعات شاوشيسكو المكلفة إضافة إلى فترة من التقارب مع الغرب سمحت له بالإقتراض بحرية من بنوكه و مؤسساته المالية أغرقت رومانيا فى الديون إلى حد إضطرت معه حكومتها إلى تصدير بعض السلع على حساب الإستهلاك المحلى، مما أضاف إلى وطأة نقص كان فى الأصل فادحا فى السلع الأساسية المتاحة للإستهلاك المحلى. و فى المجمل كان الإقتصاد الرومانى يتدهور بإستمرار و تنهار معه مستويات المعيشة للغالبية العظمى من الرومانيين، إلى الحد الذى وصفت فيه رومانيا مع بداية ثمانينيات القرن الماضى بإثيوبيا أوربا!
دولة أمن الدولة
 
إبقاء شعب تحت مثل هذه الظروف المعيشية القاسية و فى ظل قيادة لم يكن لدى أحد شك فى جنونها و إنفصالها عن الواقع لم يكن ممكنا دون إستخدام أجهزة أمنية إخترقت كافة مناحى الحياة اليومية للناس و جعلت مجرد التفكير فى الإنتفاض رفضا لهذا الواقع المزرى أمرا يكافئ الإنتحار. أهم هذه الأجهزة و أشهرها هو "السيكيوريتات" أو جهاز أمن الدولة الذى كان من أقدم أجهزة النظام الستاليني فى رومانيا و أسوأها سمعة. و على الرغم من أن شاوشيسكو فى بداية حكمه كان من ضمن وعوده تحجيم دور هذا الجهاز إلا الواقع كان على عكس ذلك تماما فقد تضخم الجهاز فى عهده و توسع فى عمله و فى إختراقه لكافة المؤسسات المدنية إلى حد أن البعض قدر أن واحدا من بين كل أربعة رومانيين بالغين هو عميل لأمن الدولة! و بغض النظر عن أن هذا التقدير قد يكون مبالغا فيه إلا أن شعور المواطن الرومانى بأن كل من يتعامل معه فى حياته اليومية بما فيهم أقرب الناس إليه قد يكون فى الواقع عميلا لهذا الجهاز كان أمرا واقعا.
 
على الرغم من هذه القيود الصارمة فإن تنامى الشعور بسوء الأوضاع أدى فى الواقع إلى ظهور قدر من المعارضة على السطح فى السنوات الأخيرة لحكم شاوشيسكو و لكنها كانت دائما تقمع بقسوة و بسرعة. من أمثلة ذلك تظاهرات لعمال المصانع فى عام 1987 أدت إلى إعتقال المئات من المشاركين فيها. و رغم ندرة مثل هذه الإضطرابات إلا أن المؤكد أن السخط الشعبى كان يتنامى بإستمرار فى وقت فقد فيه نظام شاوشيسكو موقعه الدولى المتميز مع التغيرات التى بدأت تطرأ على طبيعة دول الكتلة الشرقية. فمن جانب قاوم شاوشيسكو بشدة دعوات الزعيم السوفيتى جورباتشوف إلى الإصلاح، و على جانب آخر بدأت القوى الغربية تشعر بالقلق أكثر لتقلباته المزاجية المستمرة و لم تعد علاقاتها الخاصة بنظامه ذات قيمة إضافة إلى كونها أصبحت مصدر حرج، ففى عام 1988 كانت الولايات المتحدة على وشك تجريد رومانيا من صفة الدولة الأولى بالرعاية عندما بادر شاوشيسكو نفسه بالتخلى عن هذه الصفة!
 
 
شرارة الثورة
 
فى بداية عام 1989 كانت النظم الستالينية فى شرق أوروبا تتهاوى الواحد بعد الآخر فيما بدت رومانيا وحدها عصية على التغيير. و لكن هذا الجمود الظاهرى لم يمنع بعض مظاهر المعارضة من الظهور على إستحياء، فبعض الكتاب و الأدباء جاهروا بالتعبير عن آراء معارضة للنظام علنا و حاول صحفيو ثانى أكبر جريدة فى رومانيا نشر عدد ينتقد شاوشيسكو مباشرة إلا أنهم أعتقلوا و حكم عليهم بالإعدام لولا أن الثورة أنقذت حياتهم لاحقا. أكثر من ذلك وضع ممثل رومانيا الرسمى فى مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تحت الإقامة الجبرية لإصداره تقريرا يندد بإنتهاكات النظام.
 
المثير للإهتمام أكثر من غيره بين مظاهر المعارضة هذه كان "رسالة الستة" و هى رسالة بعث بها ستة من القادة الشيوعيون و كبار موظفى الدولة السابقين فى رومانيا إلى شاوشيسكو و نشروها علنا و فيها ينتقدون بشدة حكمه الديكتاتورى. و على الرغم من أن شاوشيسكو تجاهل هذه الرسالة و إكتفى بوضع بعض كاتبيها تحت الإقامة الجبرية و نفى البعض الآخر إلى مناطق نائية داخل رومانيا، إلا أن الرسالة تم نشرها فى الخارج بكثافة و أعطت للرومانيين إنطباعا بأن حتى بعض من كبار رجال الدولة لم يعد بإمكانهم التعايش مع نظام شاوشيسكو.
 
بالرغم من هذا كله مضت الأمور على طبيعتها فى بوخارست، فعقد الحزب الشيوعى الرومانى مؤتمره الرابع عشر و أعاد إنتخاب شاوشيسكو رئيسا بالإجماع و إستمع أعضاؤه بالإحترام المعهود لخطاب الزعيم التقليدى الذى إمتد ست ساعات أنحى خلالها باللائمة على قادة دول أوروبا الشرقية الآخرين الذين تخلوا عن مبادئ الشيوعية! و لكن فى أقصى غرب رومانيا كانت تطورات متسارعة لأحداث بدت غير ذات أهمية تجرى فى مدينة صغيرة تسمى تيميشوارا كتب لها أن تدخل التاريخ كنقطة البداية لما صار يعرف بثورة رومانيا 1989!
 
رغم صغرها و موقعها البعيد عن المركز فإن تيميشوارا كانت تمثل حالة خاصة فى رومانيا، ففى هذا البلد الذى عرف عدائية كبيرة فى تعامل الأغلبية الرومانية مع الأقليات الإثنية المجرية و الساكسونية (الألمانية) و الصربية ، كانت تيميشوارا تتميز بتعايش هذه الأقليات المختلفة مع الأغلبية فى تناغم و تضامن نادر و هو ما يفسر إلى حد بعيد قدرة سكان هذه المدينة الصغيرة على الصمود فى وجه قمع نظام شاوشيسكو فى الأيام الأولى للثورة التى إندلعت شرارتها فى مدينتهم.
 
كان محور الأحداث فى البداية راعى كنيسة بروتستانتية ينتمى إلى الأقلية المجرية عرف عنه لفترة مجاهرته بالنقد اللاذع للنظام. كان الراعى قد تلقى أمرا من السلطات بإبعاده إلى قرية نائية إلا أنه رفض تنفيذه فما كان من قيادة كنيسته إلا أنها طلبت للسلطات أن تنفذ أمر الإبعاد بنفسها و حدد لذلك تاريخ 15 ديسمبر 1989. و فى هذا اليوم تجمع ألف متظاهر فى الميدان المواجه للكنيسة لمنع تنفيذ الأمر. كان معظم هؤلاء فى البداية من الأقلية المجرية و لكن مع مرور الوقت إنضم إليهم كثير ممن ينتمون إلى أقليات أخرى إضافة إلى الغالبية الرومانية.
 
إندلعت بعض الإشتباكات بين المتظاهرين و قوات الأمن و مر اليوم دون تنفيذ أمر إبعاد راعى الكنيسة و فى الصباح التالى كانت أعداد المتظاهرين قد نمت إلى أكثر من عشرة آلاف متظاهر و لم يعد موضوعها هو الإعتراض على إبعاد راعى كنيسة و إنما كان بدايات إنتفاضة حقيقية ضد النظام الشيوعى برمته. تم حشد قوات الأمن لمواجهة المسيرات و لكنها لم تكن مسلحة بذخيرة حية و لذا لم يسقط أى ضحايا فى هذا اليوم. فى صباح اليوم الثالث 17 ديسمبر دعا شاوشيسكو اللجنة السياسية التنفيذية للحزب الشيوعى إلى إجتماع طارئ حضرته زوجته إيلينا و فيه صب الديكتاتور و زوجته جام غضبهما على مسؤولى الدولة و على وزير الدفاع و قائد قوات أمن الدولة بشكل خاص لما إعتبراه تقاعسا عن مواجهة المظاهرات بالحزم المطلوب و وجه شاوشيسكو أمرا مباشرا بإطلاق النيران على مثيرى الشغب عملاء الأيادى الخارجية التى تحاول العبث بأمن رومانيا كما أسماهم.
 
حتى ذلك الحين لم يكن شاوشيسكو يشعر بأن الأمر مختلف عن أى إضطراب عابر شهدته سنوات حكمه التى طالت لربع قرن تقريبا، و هو حتى لم ير داعيا لأن يلغى زيارة رسمية مقررة سلفا إلى إيران و من ثم فقد غادر بوخارست بالفعل فى وقت مبكر من الصباح التالى. و لكنه أيضا لم يغادر قبل أن يتأكد من أن أوامره قد نفذت حرفيا فحرص على إيفاد أحد مساعديه ليتولى بنفسه قيادة عمليات قمع الإنتفاضة فى تيميشوارا. و فى مساء هذا الأحد الدامى 17 ديسمبر فتحت قوات الأمن النظامية( المدعومة من الجيش)  يعاونها أفراد بملابس مدنية النار على الحشود المجتمعة فى الميدان الرئيسى للمدينة و إستمر إطلاق النار طيلة اليومين التاليين.
 
عدد الضحايا فى هذا اليوم ليس معروفا على وجه الدقة. التقارير الأولى ذكرت أن القتلى بالآلاف و لكن التقدير الرسمى لحكومة مابعد الثورة حدد العدد بمائة قتيل. على أى حال وصل خبر المذبحة إلى أسماع الرومانيين فى أنحاء البلاد مما أدى إلى إنتشار الإضرابات و التظاهرات فى المدن الأخرى. و بحلول 20 ديسمبر حدث إنقلاب مفاجئ لموقف قوات الجيش فى تيميشوارا فبعد مشاركتها فى إطلاق النار على المتظاهرين طوال الأيام الثلاثة الماضية أظهرت التضامن معهم و هو مادفع الجماهير إلى الهتاف "الجيش معنا!”، و أدى هذا التحول إلى إنهاء الإشتباكات فى المدينة و تكوين أولى اللجان الثورية الشعبية بها لتصبح تيميشوارا أول مدن رومانيا تحررا من حكم الديكتاتور.
 
عاد شاوشيسكو إلى بوخارست فى هذا اليوم نفسه (20 ديسمبر) و بدأ يدرك عمق الأزمة التى تواجهه فتوجه فى المساء ببيان إلى الأمة عير الراديو كرر فيه وصف ما حدث فى تيميشوارا بالمؤامرة التى يحيك خيوطها أعداء الوطن، و فى صباح اليوم التالى إقترف أسوأ أحطائه عندما قرر أن يخطب فى شعبه كعادته من شرفة مبنى اللجنة المركزية للحزب متوقعا تظاهرة تأييد ضخمة تلقى بالرعب فى قلوب من سولت لهم أنفسهم الخروج على طاعة الزعيم القائد! و لكن الأمور لم تمض كما صور له خياله فبعض دقائق فقط من بداية الخطاب كان بالإمكان سماع صيحات من بين صفوف الجماهير تردد "تيميشوارا!” و "شاوشيسكو .. ديكتاتور!”، نقلت عبر البث الحى للتليفزيون إلى المشاهدين فى منازلهم و مع إنقطاع البث كان واضحا أن الميدان الذى يعج بالجماهير قد تحول إلى ساحة للفوضى.
 
توالت الأحداث بوتيرة متسارعة بعد هذا المشهد المثير ففى اليوم التالى أعلن من خلال الإذاعة أن وزير الدفاع قد إنتحر بعدما تم إفتضاح خيانته و لم يكن ثمة شك لدى كثيرين أن شاوشيسكو قد أمر بقتل الرجل بعدما رفض تنفيذ أوامره بإطلاق النار على المتظاهرين، و على أى حال فإن مقتل وزير الدفاع أدى إلى أن يدرك كبار الضباط أن الخيار الأفضل هو الإنحياز إلى الثورة. و فى هذا اليوم نفسه حاول شاوشيسكو للمرة الأخيرة مخاطبة شعبه من شرفة القصر و لكن الميكروفون لم يعمل و كانت أعداد من المتظاهرين قد بدأت بالفعل تدخل إلى المبنى بعد إقتحامه، و بالكاد تمكن شاوشيسكو و زوجته و أربعة مرافقين من الوصول إلى السطح لإعتلاء مروحية كانت فى إنتظارهم. و بينما كان المفترض بهذه المروحية أن تؤمن له سبيل الفرار ، إلا أن قائدها خانه و تركه مع مرافقيه على جانب أحد الطرق خارج بوخارست! و لم يمض وقت طويل قبل أن يلقى بعض الجنود القبض على شاوشيسكو و زوجته فيقتادونهم إلى قاعدة عسكرية فى مدينة تدعى تيرجوفيستى.
 
إعدام شاوشيسكو
 
طوال اليومين التاليين تم إبقاء شاوشيسكو معظم فى مدرعة عسكرية ظلت تجوب أنحاء القاعدة العسكرية كإجراء إضافى خوفا من تمكن أفراد أمن الدولة الموالون له من إكتشاف مكانه و التدبير لإطلاق سراحه. و فى 25 ديسمبر شكلت كحكمة عسكرية على عجل و مثل أمامها شاوشيسكو و زوجته و تم مواجهتهم بقائمة طويلة من التهم كان منها التصفية العرقية و القتل الجماعى و تدمير الملكية العامة و الكسب غير المشروع. إستمرت المحاكمة التى عرض شريط لبعض أجزائها على شاشات التليفزيون فيما بعد لعدة ساعات و إنتهت بإدانة شاوشيسكو و إيلينا بجميع التهم الموجهة إليهما و أصدر القضاة و هم مجموعة من جنرالات الجيش و جهاز أمن الدولة حكمهم بإعدام المتهمين و نفذ الحكم فى خلال دقائق من إصداره!
 
هذه المحاكمة و ملابساتها المختلفة بما فى ذلك العجلة الشديدة التى تمت بها و خلوها من أى إجراءات متعارف عليها لضمان عدالتها هى واحدة من ألغاز ستتكاثر مع الوقت و تحيط الأيام الأخيرة من الثورة و الأيام و الشهور اللاحقة لها بضبابية لم تفلح السنوات اللاحقة فى إزاحة الكثير منه. كان من الواضح فى تفاصيل الحوار الذى دار بين شاوشيسكو و إيلينا و بين القضاة الذين مثلا أمامهم أن هناك معرفة شخصية بين الطرفين إلى حد أن إيلينا تتوجه بالحديث إلى أحدهم فى أحد اللحظات فائلة "لقد كنت بمثابة أمك"! هذه المعرفة المسبقة ربما كانت أحد أسباب رفض شاوشيسكو و زوجته الإعتراف بشرعية المحاكمة و قضاتها و هو ما كرراه عدة مرات.
 
 على جانب آخر عمد ممثل الدفاع عن المتهمين الذى عينته المحكمة إلى التسليم نيابة عنهما بصحة الإتهامات المنسوبة إليهما و لم يحاول تقديم أى دفوع ضد هذه التهم أو ضد سلامة الإجراءات! بشكل عام كان الأمر مجرد تمثيلية هزلية أعدت بهدف إحاطة التخلص السريع من شاوشيسكو و زوجته بإطار ما من الشرعية القانونية.
 
فى نهاية المطاف أعدم الزوجان الملكيان رميا بالرصاص، و شارك عضوان من هيئة المحكمة بنفسيهما فى توجيه الرصاصة القاتلة إلى رأس كل منهما. هذان العضوان تحديدا شغلا فيما بعد مناصب هامة فى الحكومة الجديدة التى تشكلت فى أعقاب الثورة و أصبح أحدهما رئيس جهاز المخابرات الجديد!
 
الطرف الثالث  أو ضبابية الأيام الدامية
 
الفترة من 22 إلى 25 ديسمبر 1989 شهدت تحول شوارع بوخارست إلى ساحة حرب شوارع دامية لم تعرف أوروبا مثبلا لها منذ الحرب العالمية الثانية و حتى ذلك الحين! هذا على الرغم من أن الجيش الذى كان يطلق النار على المتظاهرين فى الأيام السابفة كان قد أعلن ولاءه لحكومة جبهة الإنقاذ الوطنى التى أعلن تشكيلها يوم 22 ديسمبر! هذه الحقيقة تركت سؤالا معلقا لم يجد حتى اليوم إجابة واضحة عليه: “من كان يطلق النار على من؟"
 
المؤكد أن مئات الضحايا قد سقطوا فى هذه الأيام الثلاثة، غالبيتهم العظمى كانت من المدنيين، و أغلب هؤلاء كانوا من الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع و وقفوا إلى جانب أفراد الجيش على الحواجز المنتشرة فى أنحاء المدينة فى مواجهة عدو خفى كان يتحرك فى الظلال فيظهر فجأة ليطلق نيرانه مرديا العشرات ثم يختفى و لا يخلف وراءه فى معظم الوقت أى قتلى أو مصابين من جانبه!
 
النظرية التى راجت فى أثناء الأحداث نفسها هى أن مطلقى النيران هم من أفراد أمن الدولة الذين بقوا على ولائهم لشاوشيسكو. فيما بعد و حيث أن احدا من هؤلاء لم يتم إعتقاله أو محاكمته بدأت شائعات أقرب إلى الخيال فى الظهور تتحدث عن جيش خاص لشاوشيسكو تم تشكيله خارج سلسلة القيادة العادية لأمن الدولة و يتكون من رجال أخذوا فى صغرهم من دور الأيتام و دربوا ليكونوا آلات قتل تدين بالولاء الكامل للزعيم و هم دائما تحت تأثير مخدرات تمدهم بقوة غير طبيعية! إلى جانب هؤلاء يقاتل إرهابيون مرتزقة جلبوا لدعم نظام الديكتاتور و إثارة الفوضى من بلدان مثل ليبيا و إيران كان لشاوشيسكو علاقات وثيقة معها.
ما جعل الشكوك تتزايد حول حقيقة أحداث هذه الأيام الدامية أن العدد القليل جدا من مطلقى النيران (الإرهابيين) الذين ألقى القبض عليهم بعد إصابتهم أو إستسلامهم قد إختفوا بشكل غامض من أسرة المستشفيات و زنازين السجون التى نقلوا إليها، و لم يمثل أى منهم أمام أى جهة تحقيق أو يقدم للمحاكمة!
 
الضبابية التى لفت بغموضها الأحداث الدامية فى شوارع بوخارست كان يقابلها تسليط غير مسبوق لأضواء و عدسات الإعلام التليفزيونى على أحداث الثورة بصفة عامة. فمنذ الساعات الأولى لإنتقال الثورة إلى بوخارست إقتحم أعداد من الشباب مبنى الإذاعة و التليفزيون فى العاصمة و إستولوا عليه و من هناك بدأوا فى بث تقارير مصورة حية لأحداث العنف فى الشوارع و نداءات الإستغاثة التى تطالب الجماهير بالتضامن مع الثوار و دعمهم فى مواجهة العدو الخفى الذى يطلق عليهم نيرانه. كانت الثورة الرومانية هى أول ثورة فى التاريخ تنقل وقائعها بالبث التليفزيونى الحى و كانت أصوات المعلقين على الأنباء من داخل الإستوديو تختلط بصوت إطلاق الرصاص الذى لم ينقطع خارجه.
 
أبقت الأحداث فى الشارع و البث الحى لها عبر شاشات التليفزيون أعين الجميع فى إتجاه واحد فى الوقت الذى كانت فيه الحكومة الإنتقالية تعمل فى هدوء لإتمام عملية نقل السلطة لها دون أن تجتذب كثير من الأنظار. و لا شك أن التساؤلات و الشكوك التى أحاطت بهذه الحكومة و تشكيلها فى الشهور التالية كان يمكن أن يكون لها أثر مختلف لو أنها نوقشت بالتفصيل فى هذه الأيام العصيبة الأولى. بمعنى آخر كانت الأحداث الدامية فى شوارع بوخارست تخدم إما بطريق الصدفة أو ربما بشكل متعمد أغراض هذه الحكومة فى صرف الأنظار عنها بينما تتخلص من أى معارضة ذات شأن لوجودها و بالأخص من جانب الديكتاتور الهارب نفسه الذى تخلصت منه فى مساء 25 ديسمبر و أذاعت صور جثته هو و زوجته فى اليوم التالى مباشرة، اليوم ذاته الذى شهد إختفاء العناصر الإرهابية التى أحدثت الفوضى  خلال الأيام السابقة بشكل مفاجئ و كأنها تبخرت فى الهواء.
 
أحد الألغاز التى تشير إلى إمكانية أن تكون أحداث العنف و تسليط الضوء عليها مدبرا هو حقيقة أن هذه الأحداث طالت بالتدمير معظم المبانى الهامة فى قلب العاصمة بوخارست و لكنها لسبب ما لم تطل لا مبنى الإذاعة و التليفزيون و لا مبنى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الذى كان أفراد جبهة الإنقاذ الوطنى فى حالة إجتماع دائم به. إقتحم الإرهابيون أو قصفوا و دمروا مبان كثيرة محيطة بالمبنيين و ملاصقة لهما لكنهم لسبب ما لم يتعرضوا لأيهما بل و لم يحاولوا ذلك على الإطلاق رغم أن المنطق الطبيعى يستدعى أن يكون المبنيان هدفان رئيسيان لأى قوى مضادة للثورة تسعى إلى تكميم صوتها و التخلص من المؤسسة التى تطوعت لقيادتها!
 
هناك تفسيرات مختلفة تدور كلها فى فلك إعتبار الأحداث بعد 22 ديسمبر متعمدة و مسرحية، منها أن الجيش الذى كان يطلق النيران على المتظاهرين طوال الفترة من 17 إلى 22 ديسمبر كان فى حاجة إلى عملية تجميل لصورته، التى لطخها دوره فى قتل الثوار، و بالتالى كان لابد من إختلاق عدو خفى و شرس للثورة يتولى الجيش مواجهته، ليظهر بمظهر حامى الثورة و الشريك الذى لا غنى عنه فى إنجاحها. و كميزة إضافية فإن تعليق الشكوك بجهاز أمن الدولة كطرف محتمل وراء الإعتداءات الدامية يسهم فى تلطيخ سمعة هذا الجهاز الذى كان طوال عقود منافسا هاما للجيش النظامى يتمتع رجاله بالقرب أكثر من مركز السلطة فى القصر الرئاسى و بالتالى بإتساع النفوذ فى الشؤون المحلية بشكل عام.
 
و لكن يبقى القسط الأكبر من الشكوك يدور حول إستفادة الحكومة الإنتقالية أكثر من غيرها بما وفرته الأحداث من شغل شاغل للرأى العام حول النظر عن جهودها لتثبيت أقدامها فى السلطة و ربما التخلص من إشارات ضارة إلى ماضى أفرادها الذى كان لصيقا بالنظام السابق و متداخلا مع أسراره. و على أى حال ليس ثمة ما يمنع من أن يكون لكل تفسير نصيبه من الحقيقة و تتعدد بالتالى الأطراف المستفيدة مما حدث، ففى نهاية المطاف شاركت هذه الأطراف جميعا بأدوار مختلفة فى جبهة الإنقاذ الوطنى الذى كان لها الآن أن تتحكم منفردة فى رسم ملامح مستقبل رومانيا بعد الثورة و بعد شاوشيسكو.
 
جبهة الإنقاذ الوطنى التى ظهرت بشكل مفاجئ فى يوم 22 ديسمبر معلنة تعهدها بحماية ثورة الشعب و قيادة البلاد فى المرحلة الإنتقالية الصعبة إلى مرفأ الديموقراطية التى يحلم بها الرومانيون، كان تشكيلها من حيث التوقيت و الطبيعة مثار شكوك كثيرة ظهرت فى الشهور التالية. فهذه الجبهة ضمت عددا محدودا من المثقفين الذين عرف لهم أنهم كانوا فى صفوف الثوار فى الأيام الأولى للثورة، و لكن الغالبية العظمى من أفرادها كانوا من رجال الحزب الحاكم  الذين تولوا مسؤوليات كبيرة فى نظام نيقولاى شاوشيسكو فى فترات سابقة و كانوا من المقربين إليه، إضافة إلى هؤلاء كان ثمة عدد كبير من جنرالات الجيش و قادة جهاز أمن الدولة السابقين أو الحاليين.
 
السرعة و السهولة التى تشكلت بها حكومة جبهة الإنقاذ الوطنى أثارت الشك فى وجود مؤامرة لقلب نظام الحكم فى أروقة الحزب و السلطة منذ زمن كانت فقط تنتظر فرصة سانحة و هو ما أتاحته لها الثورة، و أكدت تقارير و تصريحات لاحقة كثير من هذه الشكوك. إضافة إلى ذلك كان التحول المفاجئ لموقف الجيش من الثورة دليلا واضحا على أن مفاوضات بين قياداته و بين الحكومة الجديدة قد جرت و توصلت إلى طمأنة الجنرالات بأن حكومة من رجال سياسة حقيقيين ستتولى قيادة البلاد و ليس "جماعة من المثقفين الثوريين المجانين".
 
الشعب يثور ، والفلول يحكمون
 
فيما بعد تأكدت هذه الشكوك فوفق تصريحات فى أغسطس 1990 لأول وزير دفاع بعد الثورة كانت مؤامرات التخلص من شاوشيسكو تحاك منذ منتصف السبعينات. و فى بداية الثمانينات إستقر رأى المتآمرون على إختيار إيون إيليسكو خليفة للدكتاتور. و هذا يفسر تماما كون إيليسكو ظهر منذ اللحظة الأولى كرئيس غير منازع لجبهة الإنقاذ الوطنى و بالتالى الرئيس الإنتقالى لرومانيا. الوزير نفسه إضافة إلى أحد الموقعين على رسالة الستة الشهيرة أكدا أن جبهة الإنقاذ الوطنى تشكلت فعليا قبل ستة أشهر من الإطاحة بشاوشيسكو. يمكن توقع أن هذا التشكيل الأول للجبهة إقتصر على المنتمين لأروقة النظام القديم و مراكز السلطة فيه.
 
هذه الملابسات كلها جعلت التساؤل مشروعا عما إذا كان ما أطاح بشاوشيسكو فى نهاية عام 1989 هو ثورة شعبية حقا أم إنقلاب من داخل نظامه نفسه. و على أرض الواقع شغل هذا السؤال الكثيرين طوال السنوات التالية. و لكن أقرب الإجابات إلى المنطق هو القول بأن ماحدث فعليا كان خليطا من الثورة و الإنقلاب و أن وجود هذا الخليط قد صبغ أحداث الثورة و ما تلاها و أدى إلى إنشاء طرفى صراع استمر فى سنوات ما بعد الثورة. الأكيد أن إنتفاضة تيميشوارا و إنتقال عدواها إلى بقية مدن رومانيا حتى العاصمة بوخارست يمثل ثورة شعبية حقيقية. و الأكيد أيضا أن مؤامرات الإطاحة بالديكتاتور فى أروقة نظامه كانت تحاك منذ وقت طويل ، بسبب الممارسات غريبة الأطوار  و لكن نجاحها دون حدث مثل الثورة كان مستحيلا. و المحصلة أن ما بدأ كثورة شعبية تحول إلى فرصة إنتهزها المتآمرون لتحقيق أغراضهم.
 
إنقلاب القصر أدى إلى تقصير أمد ما كان يمكن أن يتحول إلى فترة طويلة من الإضطرابات، و بالأخص أدى الإنقلاب إلى تحول موقف الجيش و قادته بسرعة. و لكن الإنقلاب و تحول موقف الجيش ربما يكونان السبب وراء إرتفاع ضريبة الدم فى الثورة إذا ما تبنينا تفسير الأيام الدامية من 22 إلى 25 ديسمبر بأنها كانت مسرحية متعمدة.
 
 الأكثر تأكيدا هو أن الإنقلاب قد عرقل تطور الثورة لتكون أكثر جذرية فتطيح بأركان نظام شاوشيسكو بشكل كامل. فى جوهره كان هدف الإنقلاب الأول هو تمكين أصحابه من تثبيت أقدامهم فى السلطة خلفا لنظام كانوا هم أنفسهم جزءا منه. بشكل أوضح كان الإبقاء على البنية الأساسية للنظام ضروريا لبقائهم هم أنفسهم، و بالتالى فإن تفكيك هذا النظام و إحداث تغيير جذرى كان مناقضا لمصالحهم، و هو أمر سيظهر بوضوح فى الشهور التالية لسقوط شاوشيسكو.
 
خمر قديم فى وعاء جديد
 
فى أعقاب الإطاحة بنيقولاى شاوشيسكو وعدت جبهة الإنقاذ الوطنى بإجراء أول إنتخابات ديموقراطية فى تاريخ رومانيا منذ أكثر من نصف قرن خلال عدة شهور. حتى ذلك الحين تم تشكيل هيكل حكم مؤقت كان على رأسه إيون إيليسكو كرئيس إنتقالى و إتخذ نائبا له ضابط سابق فى أمن الدولة خدم فى الفترة الأخيرة كدبلوماسى و أختير كرئيس للوزراء مهندس هو بترى رومان لا خبرة سياسية سابقة له. و إتخذت هذه الحكومة عدة إجراءات تعبر عن أن البلاد قد دخلت فى عهد جديد، فغيرت الأسم الرسمى للدولة مسقطة صفة الجمهورية الإشتراكية و أعلنت وقف مشروع إعادة هيكلة الريف و أنهت الوضع الخاص للحزب الشيوعى فى الدستور الذى كان يحظر تشكيل أحزاب أخرى بخلافه.
 
هذه الإجراءات إعتبرتها القوى الثورية إما شكلية أو تحصيل حاصل على أفضل الفروض و لذلك فقد تجددت التظاهرات بسرعة فى بوخارست فى يناير 1990 مطالبة بتطهير الأجهزة الحكومية من كل أعضاء الحزب الشيوعى القديم و بإلغاء و تفكيك جهاز أمن الدولة سيئ السمعة. و فى محاولة لإحتواء التظاهرات وعدت جبهة الإنقاذ بحل الحزب الشيوعى و لكنها تراجعت عن ذلك لاحقا قائلة أن مثل هذا الإجراء لن يكون دستوريا! و فى النهاية إنحل الحزب الشيوعى تلقائيا عندما غادره معظم أعضائه و أعادوا تكوين نسخة مصغرة منه تحت اسم "حزب العمال الإشتراكى". الجبهة أيضا تراجعت عن وعد سابق بألا تخوض الإنتخابات المقبلة كحزب سياسى. و أدى تراجع الجبهة عن كثير من وعودها إلى مزيد من التظاهرات و إلى أن يقدم نائب الرئيس إستقالته معترضا على ما أسماه "الأساليب الستالينية للإدارة الجديدة!”
 
مظاهرات يناير كانت تضم ذات العناصر من المثقفين و الطلبة الذين كانوا عماد المظاهرات المناوئة لشاوشيسكو فى الشهر الماضى و فى المقابل بدأت جبهة الإنقاذ الوطنى فى حشد مظاهرات مضادة من مؤيديها الذين إنتموا فى معظم الأحيان إلى عمال المصانع. و أغلب الظن أن الجبهة أوحت لهم بأن معارضيها يسعون إلى تغيير جذرى يطيح بمكتسبات العمال فى العهد الإشتراكى. على أى حال كان شعار المظاهرات المؤيدة للسلطة الجديدة هو "نحن نعمل و لا نفكر"! ربما تعبيرا عن تناقض تطلعات المثقفين مع مخاوف رجل الشارع العادى. و لم تقف المظاهرات المؤيدة عند حد ترديد الهتافات بل قام المشاركون فيها بإقتحام مقار و مكاتب أحزاب المعارضة التى كانت قد بدأت فى العودة إلى الحياة لتوها. (حزب الفلاحين القومى و الحزب الليبرالى القومى الذين عاودا الظهور حينها كانا إحياءا لأسماء أحزاب قديمة تعود إلى ما قبل فترة الحكم الستالينى).
 
مع إستمرار الإضطرابات فى شهر فبراير وافقت جبهة الإنقاذ على تقاسم صورى للسلطة فى إطار مجلس للوحدة الوطنية يشارك فيه بعض عناصر المعارضة و إن ظل فى معظمه تحت سيطرة الجبهة. و إستجابت الجبهة كذلك إلى طلب للمعارضة بتأجيل الإنتخابات شهرا إضافيا لإتاحة الفرصة للأحزاب الجديدة حتى تنظم أمورها. هذه الصفقات السياسية لم توقف الحراك فى الشارع و قبل شهر من الإنتخابات التى حدد لها أن تقام فى شهر مايو نظم الطلبة إعتصاما مفتوحا فى ساحة جامعة بوخارست إجتمع فيه عشرات الآلالف من معارضى الحكومة.
 
 وأتت نتائج الإنتخابات أتت مفاجئة لقوى المعارضة فقد حصدت الجبهة الوطنية للإنقاذ 65% من مقاعد أول برلمان بعد الثورة و فاز إيون إيليسكو بمنصب رئيس الجمهورية بعد حصوله على 85% من الأصوات. كان الإقبال على مراكز الإقتراع هائلا حيث صوت 14 مليون ناخب من ضمن 16 مليون يحق لهم الإنتخاب! و على الرغم من وجود شكوك أعلنها المعارضون و رددتها وسائل الإعلام الغربية و عبرت عنه حكومات غربية عدة بإن الإنتخابات شابها كثير من الإنتهاكات ربما تصل إلى التزوير المنظم فى بعض المناطق إلا أن المحصلة كانت تشير إلى أن الشعب الرومانى فى غالبيته من الفلاحين و العمال لم يكن يشارك النخبة المثقفة توجهاتها و أنه فضل الإستمرارية و الإستقرار الذى مثلتهما جبهة الإنقاذ الوطنى أو بمعنى آخر إختار الناس ما يعرفونه و إن كان غير مرض تماما بدلا من المجهول.
 
الأغلبية الصامتة
 
فى ذلك الوقت كان إعتصام ساحة الجامعة فى بوخارست قد تناقصت أعداد المشاركين فيه و لكنه ظل صامدا حتى منتصف يونيو عندما تدخلت قوات الأمن لفضه بوحشية و هو ما أثار حفيظة الآلاف فخرجوا إلى الشوارع إحتجاجا على قمع الشرطة للمعتصمين و تطورت تظاهراتهم الغاضبة إلى هجوم على بعض المبانى الحكومية شمل إقتحام مبنى الإذاعة و التليفزيون. و هذه المرة أبدى قادة الشرطة و الجيش عدم رغبتهم فى مواجهة أعمال الشغب فما كان من الرئيس إيون إيليسكو إلا أن دعا "الطبقة العاملة" إلى حماية الديموفراطية من التمرد "الفاشى". و فى 14 يونيو جلبت الحكومة 10 آلاف من عمال المناجم فى القطارات و الشاحنات إلى قلب بوخارست حيث حياهم الرئيس بنفسه قبل أن يطلق يدهم فى المدينة لإستعادة "الإستقرار و النظام" إليها! و طوال يومين إنتشر العمال فى شوارع المدينة مسلحين بالفئوس و الهراوات و هاجموا بوحشية مئات الطلبة و غيرهم ممن إعتبروهم معادون للنظام بما فى ذلك أفراد من الروما (الغجر) لم تكن لهم علاقة بأى توجهات سياسية. و شملت عمليات إستعادة النظام هذه إقتحام و تدمير مقرات و مكاتب أحزاب المعارضة. و فى نهاية اليومين و بعد حصيلة 6 من القتلى و مئات المصابين و حوالى 1000 معتقل نظمت مسيرة وداع للعمال وجه خلالها الرئيس إيون إيليسكو الشكر إليهم بنفسه مضيفا "إذا ما إحتجت إليكم ثانية فسأدعوكم"!
 
هذا القمع العنيف للمعارضة لم يكن مثمرا فقد إستمرت حكومة رئيس الوزراء بترى رومان تعمل تحت ضغط تظاهرات حاشدة لا تكاد تنتهى أججها إستمرار الأوضاع الإقتصادية فى التدهور. فى الوقت نفسه كان من الواضح أن ضغوطا خارجية كانت تمارس لدفع رومانيا إلى القيام بإصلاحات إقتصادية هيكلية بهدف قبولها فى إطار أوروبا الرأسمالية. إستجابة الحكومة للضغوط المختلفة كان مضطربا و يشوبه كثير من التردد فقد لجأت إلى بعض عمليات الخصخصة ثم قامت برفع القيود المفروضة على أسعار السلع. النتيجة كانت إرتفاع حاد فى الأسعار زاد من إشتعال غضب الناس و فى الوقت ذاته بدأ العمال فى التململ نتيجة تدنى مستويات معيشتهم إضافة إلى تهديد وظائفهم بسبب الإتجاه إلى الخصخصة. إنفجرت عوامل الغضب هذه بشكل خاص فى نهاية عام 1990 عندما نظم كيان جديد يسمى بالتحالف المدنى مظاهرة حشدت 100 ألف شخص فى بوخارست، ثم إستمر الشحن لمشاعر الغضب و تململ العمال طوال العام التالى لينفجر فى سبتمبر 1991 عندما عاد عمال المناجم إلى بوخارست و لكن هذه المرة ليعلنوا عن غضبهم على حكومة بيترى رومان و يطالبون ليس بعزله فقط و إنما بإسقاط الرئيس إيون إيليسكو، نفس الرجل الذى قال لهم منذ أقل من عامين إن إحتجت إليكم سأستدعيكم! و فى هذه المرة وقف إلى جانب العمال فى تظاهراتهم ذات الطلبة و المعارضين الذين كانوا عرضة لإعتداءاتهم سابقا.
 
هاجم المتظاهرون مرة أخرى مبنى الإذاعة و التليفزيون و حاصروا القصر الرئاسى و فى النهاية كان لابد من التضحية بوزراة رومان. و حسب بعض التقديرات فإن الرئيس نفسه ربما كان راغبا فى التخلص من رئيس وزرائه لإختلافهما و هو ما يؤكده إنشقاق حزب الجبهة الوطنية للإنقاذ لاحقا إلى حزبين قاد كل منهما أحد الرجلين. و على أى حال ساعد على تهدئة الأمور أن البرلمان قد إنتهى بعد شهرين فقط من كتابة دستور جديد لرومانيا و هو حدث تطلع إليه الرومانيون طوال الفترة التالية للثورة. و تم إقرار الدستور الجديد فى إستفتاء شعبى بنسبة 77%. في نهاية العام 
 
فى المرحلة التالية إستمرت طبيعة الساحة السياسية فى رومانيا فى التغيير و إن كان ذلك قد إتخذ اسلوبا أقل عنفا بكثير من السابق، فى أول إنتخابات للمحليات بعد الثورة و بعد إقرار الدستور الجديد حصل حزب الجبهة الوطنية للإنقاذ على 33% فقط من المقاعد، و هو نصف ما حققه فى الإنتخابات البرلمانية السابقة، و بدأ صعود كل من الأحزاب الليبرالية المعارضة و كذلك تحالف جديد بين حزب العمال وريث الحزب الشيوعى و خليط من الأحزاب اليمينية المتطرفة!
 
فى الإنتخابات العامة التالية فى عام 1992 استمر تراجع حزبى الجبهة الوطنية للإنقاذ و إن إحتفظ إيليسكو بمنصب الرئيس بعد فوزه فى مرحلة الإعادة بأكثر من 60% من الأصوات. و طوال السنوات الأربع التالية استمر التجاذب بين الحكومة (المتحفظة) و بين المعارضة حول معدلات الإصلاح و إنتقال رومانيا إلى الحداثة إقتصاديا و إجتماعيا. و فى النهاية نالت المعارضة فرصتها أخيرا عندما تمكنت من الفوز فى إنتخابات عام 1996 بأغلبية مكنتها من تشكيل حكومة إئتلافية. من المهم مع ذلك ملاحظة أن حزب بترى رومان (أحد أجزاء الجبهة الوطنية للإنقاذ القديمة) كان أحد طرفى الحكومة الإئتلافية الجديدة. و بالنسبة لإنتخابات الرئاسة وصل إيون إيليسكو مرة أخرى إلى مرحلة الإعادة فى مواجهة ممثل حزب التجمع الديموقراطى إميل كونستانتينسكو، و لكن هذه المرة فاز كونستانتينسكو بمنصب الرئيس بنسبة 54% من الأصوات.
الأربع سنوات التالية تحت حكم الليبراليين لم تحدث التحسن فى الأحوال الإقتصادية التى وعدوا به طوال فترة معارضتهم لحكم إيليسكو. وفى نهاية المطاف أعاد الرومانيون إنتخاب إيون إيليسكو رئيسا فى عام 2000 و لكنه حكم إلى جانب إئتلاف برلمانى ضعيف نظرا لتقاسم عدد كبير من الأحزاب لمقاعده. هذا النمط من الحكومات الإئتلافية الضعيفة و التى قد تدخل فى صراع مع الرئيس أكثر مما تعمل فى تناغم معه أصبح السائد فى السياسة الرومانية حتى اليوم.
 
فى أعقاب الحادى عشر من سبتمبر كانت رومانيا حليفا وفيا للولايات المتحدة فى حربها ضد الإرهاب و إزدادت فى نفس الوقت إنفتاحا على الإستثمارات الأجنبية مما سمح لها بأن تحقق نهضة إقتصادية على الأقل من حيث مؤشرات النمو للناتج القومى و القدرة على سداد ديونها. هذا التحالف و الإنفتاح أكثر و أكثر على الغرب سمح لرومانيا أن تنضم إلى كل من حلف الناتو ثم الإتحاد الأوروبى. و من وجهة نظر المراقبين الغربيين تبدو تلك مؤشرات كافية إلى أن رومانيا قد تخطت المرحلة الإنتقالية الصعبة، إلا أن الواقع الداخلى لا يبدو مشرقا إلى هذا الحد. فمازالت السياسة الداخلية لرومانيا تدار من خلال شبكات علاقات الولاء الشخصى الممتدة بين مراكز مختلفة للنفوذ، و على رغم أن هذه الشبكات لا تترجم نفسها فى شكل تحالف حزبى حاكم يستبد بحكم البلاد إلا أنها تفضل عن ذلك أن تدير الشؤون اليومية و تترك للواجهة صراعا ديموقراطيا يبدو متكافئا و صحيا فى حين تستأثر مراكز النفوذ بحصيلة مظاهر الفساد الحكومى و بشكل خاص تلك التى أحاطت ببرامج الخصخصة. شبهات الفساد هذه طالت جميع أفراد النخبة السياسية بما فيهم الرئيس الحالى ترايان بيسيسكو و هو بالمناسبة عضو سابق فى الحزب الشيوعى و فى جبهة الإنقاذ الوطنى أيضا.
 
خلاصة 
كثير من الأسئلة .. قليل من الإجابات
 
حتى فى إطار إستعراضنا المختصر لأحداث السنوات الأولى التالية لثورة 1989 التى أطاحت بنيقولاى شاوشيسكو، يبرز الكثير من الأسئلة التى تظل حتى يومنا هذا دون  إجابات شافية. مررنا من قبل بالسؤال: هل كان ما أطاح بشاوشيسكو هو حقا ثورة شعبية أم إنقلاب داخل الطبقة الحاكمة (الحزب الشيوعى و الجيش و الأجهزة الأمنية و الإستخباراتية)؟ هذا السؤال و غيره هم فى الحقيقة متداخلون. فحقيقة أن طبيعة ما حدث فى الأيام الأخيرة من ديسمبر 1989 لم تتضح حتى اليوم هى ما يحكم قدرتنا على الإجابة على سؤال آخر و هو: هل سقط نظام شاوشيسكو معه أم أن ما حكم رومانيا حتى عام 1996 على الأقل كان فى الأساس هو النظام ذاته؟
 
السؤال الثالث الذى يبقى أيضا مرتبطا بمحاولاتنا لإيجاد إجابات للسؤالين السابقين هو: كيف أمكن لرومانيا أن تتخطى فى النهاية آلام التحول الذى مرت به؟ هذا إذا قبلنا التصور الغربى الذى عبر عن قبوله للتحول (الديموقراطى) فى رومانيا من خلال قبولها كعضو فى إثنين من أهم انديته و هما الإتحاد الأوروبى و حلف شمال الأطلسى (الناتو).
 
بعض من الشك لابد و أن يساور أى قارئ لتاريخ رومانيا فى سنوات ما بعد شاوشيسكو حول ما إذا كانت رومانيا قد تخطت بالفعل إستمرارية النظام القديم.
 
 أحد المؤشرات الباعثة على الشك هو حقيقة أن الغموض الذى أحاط بأحداث الثورة و السنوات القليلة الأولى بعدها لا يزال على حاله و لم تحل ألغازه بعد. من الواضح أن تلك القوى التى كان ينبغى لها أن تبقى هذا الغموض قائما لحماية مصالحها مازالت بشكل أو بآخر لاعبا رئيسيا فى السياسة الرومانية بحيث لا يزال من الصعب إختراق حجب الضباب التى تخفى حقائق هذه الفترة.
 
حقيقة أن الرئيس الحالى لرومانيا هو أحد هؤلاء الذين بدأوا حياتهم فى صفوف الحزب الشيوعى و كان عضوا فى حزب الجبهة الوطنية للإنقاذ بعد الثورة تشير أيضا إلى استمرارية النظام القديم متمثلا فى أفراد مازالوا يلعبون الأدوار الرئيسية فى السياسة الرومانية.
 
ولا شك فى أن سياسات النظام الحاكم فى رومانيا قد تبدلت حتى و إن لم يتبدل الأشخاص، فإيون إيليسكو قدم نفسه فى البداية لجماهير الطبقة العاملة الرومانية كمدافع شرس عن مصالحها فى وجه ضغوط الخارج و الداخل فى إتجاه تغيير جذرى لسياسات رومانيا نحو خصخصة سريعة و إنفتاح على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية. و جنى ثمار ذلك فى إعتماده أكثر من مرة على العمال و خاصة عمال المناجم فى ضرب معارضيه. و لكن إيليسكو نفسه هو من واجه بعنف شديد تظاهرات العمال ذاتهم عندما تحولت سياساته إلى النقيض و خاصة فى فترة حكمه الأخيرة بعد عام 2000.
 
التبدل الإيجابى فى نظر الغرب إذن فى سياسات النظام الحاكم لرومانيا لم يعتمد على تبادل مواقع بين أفراد النخبة الحاكمة أو أحزابها و إنما أتى نتيجة لإستبدال الأشخاص و الأحزاب ذاتها لتوجهاتها بغيرها. هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها فى أكثر من دولة من دول المعسكر الشرقى القديم بعد سقوط نظمها الستالينية و كذلك فى عديد من دول العالم الثالث التى مرت فى أعقاب خروجها من تحت الإحتلال المباشر للقوى الإستعمارية بفترات من حكم ما يسمى بالإشتراكية الوطنية. و نعنى بها تحديدا إستبدال نظم حاكمة لسياساتها الإقتصادية و توجهات سياستها الخارجية دون أن يطرأ تبدل حقيقى على طبيعة النظام الحاكم.
 
عندما تحدثنا سابقا عن طبيعة النظام الحاكم الذى تربع شاوشيسكو فوق قمته أسميناه بالنظام "السلطانى" حيث يجمع فرد واحد خيوط القوة السياسية بين يديه مستعينا فقط بحلقة ضيقة من أفراد عائلته و المقربين إليه. فى الواقع يمكن النظر إلى هذا النوع من الأنظمة على أنه حالة خاصة لنظام أوسع إنتشارا يمكن تسميته بالإقطاع الحديث. هذا النظام الإقطاعى لا يشترك بالطبع مع إقطاع العصور الوسطى فى إعتماده على النبلاء و رؤوس الكنيسة الذين يستمدون نفوذهم من السيطرة على مصدر الثروة الأساسى فى المجتمع و هى الأرض الزراعية. ففى الدولة الحديثة لم تعد الأرض المصدر الرئيسى للثروة و فى الدول الشيوعية أو الإشتراكية " الستالينية"  فإن الإقطاعيات الصناعية و الإمبراطوريات المالية ليست فى أيدى أفراد و بالتالى فإن الإقطاع المقصود هنا يتعلق بدوائر النفوذ فى النظام السياسى و بشكل خاص فى بيروقراطية الجزب الواحد و الحكومة و الجيش و الأجهزة الأمنية المختلفة. ما يشترك النظام الإقطاعى الحديث فيه مع سميه من العصور الوسطى هو تحديدا إعتماده على علاقات الولاء الشخصى، حيث يوجد فى مركز كل ذائرة للنفوذ شخص يعتمد نفوذه على منصبه فى أحد الأجهزة أو المؤسسات الكبرى للدولة و من حوله تمتد شبكة من الأتباع الذين يدينون له بالولاء نتيجة إعتمادهم على عونه و رضاه فى سبيل الترقى فى سلم المناصب و فى فرص الإنتفاع الشخصى منها. فى النظام السلطانى لا يكون ثمة إلا شبكة نفوذ واحدة يتخذ السلطان (الحاكم الفرد) موقعه فى مركزها، و عادة يكون حريصا على ألا ينمو نفوذ أى من أتباعه بحيث يمثل خطرا على نفوذه هو نفسه و فى سبيل ذلك يعمد بصفة دورية إلى تبديل مواقع أتباعه بين مؤسسة إلى أخرى بحيث لا يسمح طول بقاء أحدهم فى موقع واحد إلى نمو شبكته الخاصة من علاقات الولاء.
 
ماذا يحدث عندما تتم الإطاحة بالسطان فجاة؟ هناك أحد سبيلين لتطور الأمور، فأما أن يكون التغيير عميقا و شاملا فيطاح مع السلطان بكل أتباعه و إقطاعيات نفوذهم و إما أن يتمسك الأتباع بمواقعهم و إستمرارية النظام. و أفضل ما يمكن للأتباع فعله للحفاظ على بقاء نفوذهم هو أن يكونوا هم المبادر إلى الإطاحة بالسلطان متى إستشعروا أن بقاءه إما غير مرغوب فيه بالنسبة لهم أو لم يعد ممكنا لظروف خارجة عن إرادتهم.
 
ما حدث فى رومانيا يبدو خليطا من الشرطين. فلا شك أن شاوشيسكو كان قد أصبحعبئا ثقيلا ليس على شعبه فقط و إنما على المنتمين إلى نظامه و خاصة من قذفت به تقلبات الديكتاتور المزاجية خارج دائرة الحظوة. و مع عدم قدرة هؤلاء المتذمرين على الإطاحة بالديكتاتور وحدهم كانت الثورة الشعبية هى الفرصة التى سنحت لهم ليتمموا ما بدأته و يكتسبون بذلك موقعا يسمح لهم بحماية النظام من أن يسقط بكامله مما يهدد ليس مصالحهم وحدها و إنما حياتهم ذاتها.
 
مع الإطاحة بالديكتاتور تنفرط الشجرة الواحدة للنفوذ التى كانت تمتد بجذورها إلى مصدر وحيد و تتحول إلى شبكات نفوذ متعددة لرجالات النظام القديم و يرتد النظام السلطانى بذلك إلى الشكل الإقطاعى. فى البداية تكون أولوية أتباع الديكتاتور المطاح به هى تثبيت أركان نظامهم و بالتالى يتجهون إلى نمط من الحكم الجماعى فى جبهة واحدة. و مع نمو نفوذ كل منهم فى وقت لاح و إنحسار خطر إسقاط النظام فى مجمله تبدأ الإنشقاقات و يتحول الشركاء إلى متنافسين و ربما أعداء.
 
فى نظام يتدثر بعباءة الديموقراطية الغربية تعبر الإنشقاقات بين شبكات النفوذ فى الطبقة الحاكمة عن نفسها فى صورة فوضى لتكوين و إنقسام الأحزاب السياسية و يعبر التنافس بينها عن نفسه فى صورة تبادل أحزابها و شخصياتها البارزة لمواقع الحكم من خلال إنتخابات تبدو ديموقراطية و نزيهة و شفافة. و لا يكون بإمكان المراقب أن يتبين حقيقة أن هذه الصورة الظاهرية لنظام ديموقراطى كغيره تخفى فى الواقع نظام محاصصة إقطاعية للنفوذ إلا بأن يوجه عنايته إلى ضعف أو إختفاء المظاهر الأخرى التى يفترض أن تميز النظم الديموقراطية.
 
فى رومانيا على وجه الخصوص يمكن ملاحظة الضعف الشديد للمجتمع المدنى. فرغم أن هناك الآلاف من منظمات المجتمع المدنى قد نشأت فى السنوات التالية للثورة إلا أن قدرتها على حشد الجماهير أو التعبير فعليا عن مصالحها يعتبر غير موجود عمليا. و الغالبية الساحقة لهذه المنظمات هى فى الواقع جزء من شبكات النفوذ الحاكمة للبلاد و هى تعمل كواجهات إما للدفاع عن مصالح أو للحصول على تمويل خارجى لتسويق مصالح أخرى.
 
بخلاف ضعف المجتمع المدنى هناك أيضا استمرارية مظاهر تغول الأجهزة الأمنية و إمتداد نفوذها إلى مختلف المؤسسات المدنية و هناك أيضا استمرار تضخم الفساد فى الجهاز البيروقراطى للحكومة و صعوبة أو حتى إستحالة تعقب الفاسدين من ذوى النفوذ قانونيا. فإتهامات الفساد قد تخرج للعلن و تستخدم فى الدعايات الحزبية و لكنها لا تصل مطلقا إلى الحسم فى ساحات العدالة، و أشهر أمثلة ذلك أن الرئيس الحالى نفسه تحوطه إتهامات فساد تتعلق بخصخصة الأسطول البحرى التجارى الذى كان ملكا للقطاع العام الرومانى تحت إشرافه كمسؤول حكومى قبل وصوله لمنصب الرئاسة.
 
الرئيس الحالى ترايان باسيسكو قد واجه لتوه أزمة كبيرة عندما إندلعت المظاهرات المعادية لسياسات التقشف التى تتبعها حكومته تحت ضغط من صندوق النقد الدولى. المظاهرات التى إمتدت إلى 60 مدينة رومانية، في فبراير 2012  فى أضخم إضطراب عرفته رومانيا منذ عقد كامل أطاحت فى فبراير الماضى بالحكومة و لكن الرئيس تمكن من الإفلات هذه المرة أيضا! و على الرغم من أن أكثر من دولة أوروبية تواجه اليوم صعوبات جمة نتيجة الأزمة المالية التى بدأت فى عام 2008 إلا أن رومانيا تبرز من جديد كحالة خاصة إذ لم يحدث أن أسقطت المظاهرات الغاضبة ضد سياسات التقشف أى من حكومات الإتحاد الأوروبى الأخرى. فحتى فى اليونان أو إيطاليا كان إستبدال حكومة باباندريو و حكومة بيرليسكونى هو بفعل تدخل أوروبى وضع مكان كل منهما خبير بنكى مالى مستعد لتنفيذ إملاءات الإتحاد و بنكه المركزى.
 
فى النهاية لا يمكن القول بأن رومانيا بعد ما يقرب من ربع قرن من إطاحتها بالديكتاتور قد وصلت إلى بناء نظام ديموقراطى حقيقي يجعل من سياسات الحكم تعبيرا عن مصالح الغالبية العظمى من شعبها. ما زالت رومانيا هى ثانى أفقر دول أوروبا و مازالت طبقتها العاملة فى حالة إحتجاج شبه دائمة ضد السياسات التى تدفع إلى إفقارها أكثر و أكثر. هذا إلى جانب المظاهر الأخرى التى مررنا بها يجعل من رومانيا نموذجا لمخاض لم ينجح رغم آلامه الشديدة فى أن يخرج للنور وليدا مكتمل النمو.
 
المراجع:
 
1-Mark Sanborne, Nations in Transition: Romania, 2nd ed, Facts On File Inc., 2004
2-Henry F. Carey (ed.), Romania Since 1989, Politics, Economics, and Society, Lexington Books, 2004
3-Dimitris Papadimitriou and David Phinnemore, Romania and the European Union, From marginalisation to membership, Routledge, 2008
4-Lavinia Stan and Lucian Turcescu, Religion and Politics in Post-Communist Romania, Oxford University Press, 2007
5- Katherine Verdery, National Ideology under Socialism, Identity and Cultural Politics in Ceausescu's Romania, University of California Press, 1991